إذا فتشت في ذاكرتك جيداً، فعلى الأقل ستجد فيلما أمريكياً ذا طابع رومانسي كوميدي أنتجته هوليود بميزانية محدودة وفكرة بسيطة، لكنه رغم ذلك أشبع شيئاً ما داخلك جعلك لا تنساه.. ربما كانت المتعة والتأثر بالحدوتة البسيطة، لكنها جاءت “شيك” وراقية رغم بساطتها.. ربما كان سحر الأداء العالي للبطل والبطلة اللذين استطاعا أن يكونا نسخة منك أنت وحبيبتك في لحظات الجنون والمرح والحب، لتنسى تماماً وأنت في حالة التوحد مع الأحداث أن الأمر برمته مجرد تمثيل، وربما كانت روعة الصورة التي تداعب بصرك بمشاهد جميلة تبحث عنها العين، والموسيقى التصويرية التي تلمس وجدانك بألحان تألفها الأذن وتتجانس معها.
لهذه الأسباب ما زلت أتذكر While You Were Sleeping لساندرا بولوك، و There’s Something About Mary لكاميرون دياز، وThe Holiday لكيت وينسليت، وThe Bounty Hunter لجنيفر أنيستون وجيرارد باتلر، وغيرها من الأفلام الأجنبية البسيطة لكنها ممتعة وتحقق إيرادات عالية على مستوى العالم، رغم أنك حتما تجد بها جزءا من المبالغة الدرامية التي تبتعد عن المنطق والواقع أحياناً، لكنك تتجاهلها وتتناسها بمحض إرادتك، فقط لأنك تعلم من البداية أنه عمل فني لا يحمل رسالة اجتماعية بقدر ما يبحث عن هدف واضح وصريح هو التسلية والإمتاع طوال مدة العرض، ولهذه الأسباب أيضاً سأتذكر “بيبو وبشير”!
في مصر، لدينا الكثير من الأفلام العربية التي يتم تصنيفها -ظلماً وعدواناً- تحت نوعية “رومانسي كوميدي”، لكنها تبتعد كل البعد ليس عن النكهة الأمريكية فحسب، بل عن نكهة السينما من أصله، ولا يصح تسميتها بأفلام من الأساس؛ لأسباب تتعلق بسوء فهم صناعها لمفهوم الكوميديا وعدم التفريق بينه وبين الإسفاف والابتذال أو الاستظراف أحياناً، وعدم إدراك معنى الرومانسية والخلط بينها وبين العري والجنس في أحيان أخرى، بخلاف الاستسهال وتفكك الأحداث التي لا يوجد رابط منطقي يجمعها أو يربط بين الشخوص التي تظهر فجأة وتختفي فجأة، إلا أن هذا لا يمنع وجود أفلام أخرى ينطبق عليها هذا التصنيف عن حق واستحقاق، بشكل يعطيك الأمل في أننا بدأنا في السير على خطى هوليود في صناعة أفلام بسيطة لكنها تشبع لدى جمهورها حاجتهم للرومانسية والضحك، مثل “ظرف طارق” و”حرامية في كي جي2″ وغيرهما من الأفلام القليلة النادرة التي تستحق هذا التصنيف، واليوم ينضم للقائمة “بيبو وبشير”.
دعك تماماً من مدلول اسم الفيلم الذي اختاره صنّاعه استغلالا لإفّيه مباراة الأهلي والزمالك الشهيرة، ففي دور العرض ستدرك أن الاسم ليس إلا محاولة لجذب المزيد من الجمهور لشباك التذاكر، في حين أن الأحداث لا علاقة لها إطلاقا بعالم كرة القدم، بقدر ما تتعلق بكرة السلة التي يمارسها “بشير – آسر ياسين” المولود من أب مصري وأم تنزانية، مما أهّله للعمل كمترجم للغة التنزانية بمنتخب مصر لكرة السلة الذي يدربه مدرب تنزاني يحتاج إلى وسيط بينه وبين اللاعبين والجهاز الفني ليترجم لهم تعليماته وطلباته، فيكون هذا الوسيط هو “بشير” قبل أن تجعله الصدفة يقيم في شقة مفروشة مع “بيبو – منة شلبي” عازفة الموسيقى بإحدى الفرق الموسيقية المستقلة، ليعيشا سوياً في نفس الشقة دون أن يشعر أي منهما بوجود الآخر بالشقة، ويظن كل منهما أنه يعيش بمفرده في شقته التي استأجرها مؤخراً للاستقلال عن الأهل المزعجين، وتواصل الصدفة لعبتها عندما تنشأ بينهما صداقة وإعجاب خارج الشقة لتحضر بيبو مباريات المنتخب، ويحضر بشير حفلات ببيو، وهما لا يعرفان أنهما يعيشان سوياً ليس في عقار واحد فحسب، بل في شقة مفروشة واحدة!
لعلك تتساءل الآن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ الإجابة لن تحتاج سوى تذكرة تدخل بها دار العرض لتعرف بنفسك، وتستمتع في الوقت نفسه بوصلة رومانسية تتخللها مواقف كوميدية شديدة الضحك، بشرط أن تتجاهل بعض المبالغات الدرامية التي توجد في غالبية هذه النوعية من الأفلام سواء الأجنبية أو العربية كما اتفقنا، لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن بعضها جاء بشكل مبالغ فيه، وكان يمكن معالجته درامياً بشكل أفضل، وعلى رأسها زيادة جرعة الصدف إلى حد كبير، حتى إن البطلة نفسها تقول للبطل: “دي صدفة نادرة ما بنشوفهاش غير في الأفلام الأبيض وأسود الوحشة!”.
بخلاف عدم منطقية أحد أهم مشاهد الفيلم التي يكتشف فيها رئيس اتحاد لعبة كرة السلة هروب المدرب التنزاني وتأكيد رئيس الاتحاد لـ”بشير” وباقي لاعبي الفريق أن المدرب اتصل به وأخبره أنه غادر مصر، رغم أن رئيس الاتحاد نفسه لا يعرف اللغة التنزانية وكان يستعين بـ”بشير” ليترجم له كلام المدرب! وبالمثل ستلحظ عدم اهتمام المؤلفين كريم فهمي وهشام ماجد برسم باقي شخصيات العمل والتركيز فقط على الشخصيتين الرئيسيتين، رغم أن الشخصيات الفرعية في تلك النوعية من الأفلام الرومانسية الكوميدية لا تقل في أهميتها عن شخصية البطل أو البطلة، وكثيراً ما شاهدنا في العديد من الأفلام الرومانسية الكوميدية كيف أن الشخصية الفرعية تقول حكمة بالغة الأهمية، أو تصنع موقفاً مؤثراً للغاية في الأحداث، وهو ما افتقدناه في شخصية “الأب- عزت أبو عوف”، وهاني عادل “صديق بيبو” الذي لم يعطه الدور المساحة الكافية لإثبات موهبته التمثيلية، بينما أعطاه الفيلم الفرصة لإثبات قدراته وموهبته في التلحين ووضع الموسيقى التصويرية الملائمة، بينما كان الأجدر بتاريخ صفية العمري الفني ألا تقبل هذا الدور السطحي الذي لم يضف لها أي جديد وسحب من بريقها الفني الكثير، حتى إنك لو لم تلحظ صورتها على الأفيش لن تعلم أنها في الفيلم أصلا.
أما صديق “بشير” فقد أثبت أنه كوميديان بالفطرة، وأكسب الفيلم مذاقاً خاصاً حتى إنك لا تستطيع أن تتخيل الأحداث بدون خفة ظله، بينما أثبت آسر ياسين موهبته في تجسيد كافة الأدوار بأدائه الكوميدي الذي نشاهده لأول مرة، ورغم ذلك نجح إلى حد كبير في إضحاك جمهوره، واستعادت منة شلبي خفة ظلها وبريقها الذي خفت مؤخراً في فيلمها الأخير “إذاعة حب”، وأثبتت المخرجة مريم أبو عوف موهبتها وقدراتها الإخراجية في أول أفلامها الطويلة، لتثبت أنها مخرجة واعدة قادرة على تحمل مسئولية فيلم، والحفاظ على سرعة إيقاعه، والربط بين كافة عناصره بمرونة وفهم.
كلمة أخيرة:
بعد النجاح الساحق الذي حققه فيلم “شارع الهرم”، وتجاوزت إيراداته مليون و700 ألف جنيه في أول أيام العيد فقط، رغم حملات المقاطعة والهجوم الضاري الذي شنه عليه الملايين من الجمهور المحترم، الذي رفض وصلات الرقص والعري والابتذال التي يعجّ بها الإعلان، بينما لم يحقق فيلم راقٍ ومحترم مثل “بيبو وبشير” نصف هذا المبلغ، وجدتني أتذكر صرخة “تهامي باشا” في إعلان فيلمه الجديد “أنا بضيع وديع” وهو يصيح قائلاً: “إحنا في زمن النفخ”!!
لا تعليق