Connect with us

ثقافة

إشبيلية… عاصمة الأندلس ومرفأها السعيد

Published

on

إشبيلية

يقال إن الفؤاد الذي يذهب مرّة إلى إشبيلية يصعب عليه أن يغادرها. والحق يقال إنك حتى عندما تغادر إشبيلية، فهي لا تغادرك.

ثمّة إجماع بين الذين يعرفون هذه المدينة، أو يعيشون فيها، على أن لها سحراً خاصاً معجوناً من جمال معالمها، ومن تاريخها ودماثة أهلها، وأجوائها الحميمة التي لا تُشعِر أحداً بالوحدة أو الغربة. ويقول الكاتب الإسباني الشهير أنطونيو غالا، الذي كان رئيساً لجمعية الصداقة الإسبانية العربية، الذي قرّر منذ سنوات أن يمضي ما تبقّى من حياته في هذه المدينة عندما سألته عنها: «يعتقد أهل إشبيلية أنها أجمل مدينة في العالم، وأخشى أنهم قد يكونون على حق».هي عاصمة الأندلس الضاحكة، والمرفأ المفضّل على ضفاف النهر الكبير عند التجّار الفينيقيين، وباب أوروبا إلى بلاد الهند الذي منه ارتحلت سفن كولومبوس الثلاث الأولى لترسو على شواطئ العالم الجديد… وهي شمس إسبانيا الدافئة، وقيثارتها النازفة وغناؤها الذي يسترجع الموشّحات الحزينة من زمن الوصل البعيد.

لكن إشبيلية أيضاً هي جوهرة سياحية تُبهر الزائر بمعالمها وحدائقها وأحيائها التي تضجّ بالحياة والفرح. ولا ننسى مطبخها الذي يحتلّ مرتبة عالية بين المطابخ الإسبانية، ويتميّز بتراثه العربي الأصيل. هي أيضاً دعوة مفتوحة على مدار العام، لها مواعيد لا بد للسائح أن يلبّيها، ولو مرة واحدة في حياته. مهرجان أبريل الذي تتبرّج خلاله المدينة بأزهى ألوانها، ويخرج أهلها إلى الساحات يرقصون ويغنّون ليل نهار… أو احتفالات عيد الفصح التي تعتبر الأجمل من نوعها في العالم، ويستعدّ لها أبناء المدينة طوال العام… أو مجرّد نزهة مسائية في شوارعها أيام الربيع، حيث يفوح عطر زهر البرتقال الذي يتدلّى كالنجوم من أشجارها.

من أشهر معالمها:

الكاتدرائية… «لا خيرالدا»

الوسط التاريخي في إشبيلية هو الأكبر في إسبانيا والثالث في أوروبا. يضم مجموعة من المعالم الفريدة التي تبرز من بينها كاتدرائية تعتبر الأكبر في العالم الكاثوليكي من حيث حجمها، والثالثة من حيث مساحتها. بُنيت فوق المسجد الذي أمر بتشييده الخليفة أبو يعقوب يوسف أواسط القرن الثاني عشر، ثم قرر الملوك الإسبان أن يرفعوا فوقه هذه الكاتدرائية، بعد ثلاثة قرون، محافظة على المئذنة الأصلية التي يبلغ ارتفاعها 104 أمتار، وتحوّلت إلى برج الجرس الذي يعرف اليوم باسم «لا خيرالدا»، الرمز الأشهر للمدينة. وتضمّ هذه الكاتدرائية مجموعة نفيسة من اللوحات الدينية لكبار الرسّامين الإسبان، إضافة إلى ضريح البحّار كريستوف كولومبوس، الذي قاد البعثات التي وصلت لأول مرة من أوروبا إلى السواحل الأميركية. وقد وضعتها منظمة اليونيسكو على لائحة التراث العالمي في عام 1987.

القصور الملكية

على بعد أمتار من الكاتدرائية، توجد درّة معمارية أخرى من التي تزخر بها إشبيلية، هي القصور الملكية التي بناها الخلفاء الأندلسيّون ثم سكنها ملوك قشتالة لعقود عديدة. نظراً لفخامتها، قرر الإمبراطور كارلوس الخامس «شارلمان» أن يعقد قرانه فيها على ملكة البرتغال، وأن يستقبل ضيوفه في «قاعة السفراء» التي تحاكي قصر الحمراء في غرناطة. ويُذكر أن سفير جمهورية البندقية الذي كان بين المدعوّين إلى زفاف الإمبراطور، أعجب بهذه القصور وبحدائقها الغنّاء حتى قال: «إنها أهنأ مكان في العالم».

هذه القصور الملكية ما زالت تحافظ على رونقها، وتستخدمها العائلة المالكة الإسبانية عندما تأتي إلى إشبيلية في مناسبات معيّنة، كما لا تزال مرتبطة بأحد أشهر الخلفاء الأندلسيين وآخر ملوك بني عبّاد في إشبيلية، المعتمد بن عبّاد، الملك العاشق والشاعر الذي أشرف على حكم مملكته الواسعة من قصر «المبارك» الذي كان يثير دهشة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول كلّما نزل فيه. ويروي المؤرخون أن المعتمد، خلال السنوات الأربع التي أمضاها في مدينة أغمات المغربية، منفيّاً فيها حتى مماته، كان كل يوم يسترجع أيامه في قصر المبارك الذي يرتفع اليوم عامود من الرخام في إحدى حدائقه تخليداً لذكرى الملك الشاعر بمناسبة «مرور تسعة قرون على نفيه المؤسف في 7 سبتمبر (أيلول) 1091».

– مبنى «أرشيف الهند»

إلى جانب القصور الملكية، يقوم مبنى «أرشيف الهند»، ويضمّ مجموعة ضخمة من الوثائق والمستندات النفيسة عن حملات الفتح الإسباني وقرون الاستعمار في القارة الأميركية. وقد وضعته اليونيسكو أيضاً على لائحة التراث العالمي. وكان المبنى في أساسه مخصصاً لاستضافة التجّار الأجانب الذين ينزلون في المدينة، ثم استخدم كمقرّ لمحاكم التفتيش في القرن السادس عشر.

قصرا «الغابة» و«دوينياس»

إشبيلية أيضاً هي محطة رئيسية في مسار الفن «المدجّن»، وهو الفن المعماري الهجين الذي يجمع بين الطرازين المسيحي والإسلامي، الذي تطوّر على مدى قرون في الممالك المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية، ويتميّز باستخدام مواد ليّنة مثل القرميد والجبس والخشب والزلّيج، مما يسهّل أعمال التنميق والزخرفة التي تغلب عليه. وثمّة كنائس عديدة في إشبيلية مبنيّة على هذا الطراز الذي يتجسّد بكل بهائه في قصر «الغابة» الذي يعتبر درّة الهندسة المعمارية المدجّنة في القرن الخامس عشر. وقد سكنت هذا القصر عائلات أرستقراطية إسبانية حتى أواسط القرن التاسع عشر، عندما تحوّل إلى مسرح ثم إلى متحف يضمّ مجموعات فنيّة وأدوات منزلية وقطع أثريّة من الفن المدجّن.

لكن المحطة الأبرز في الجولة على الفن المدجّن نجدها في قصر «دوينياس» المبني في القرن الخامس عشر، وتملكه اليوم عائلة «آلبا»، أعرق العائلات الأرستقراطية في إسبانيا. ونظراً لأهمية هذا المبنى المعمارية، وما يختزنه من روائع فنّية، أعلنته الحكومة الإسبانية تراثاً ثقافياً وطنياً، وهو مفتوح أمام الزوّار منذ عام 2016. تجدر الإشارة إلى أن الشاعر الإسباني الشهير أنطونيو ماتشادو ولد في هذا القصر عام 1875، وفيه عقدت قرانها دوقة آلبا التي تجمع ألقاباً أرستقراطية أكثر من ملكة إنجلترا.

حي «تريانا»

معالم إشبيلية التاريخية تقتضي أياماً لزيارتها وسبر أغوارها، لكن سحر هذه المدينة، ليس وقفاً عليها، ولا بد من التجوّل في أحيائها الجميلة وحدائقها التي تضجّ بالحياة والإقبال على التمتع بها. أشهر هذه الأحياء هو «تريانا» الذي يخيّل للمتسكّع فيه أنه انتقل إلى أماكن بعيدة من أزمنة سحيقة، بهندسته ومنازله ومعشر أهله. عليك بالتمهّل هنا، ومن المستحسن أن تتناول طعام الغداء في أحد المطاعم والمقاهي التي تملأ ساحاته؛ حيث بإمكانك أن تتذوّق الأطباق والحلوى التي اشتهرت بها هذه البلاد إبّان الحقبة الأندلسية.

– برج الذهب

تغادر هذا الحي باتجاه الجسر، فتعبره فوق النهر الذي تنعكس على صفحة مياهه صورة «برج الذهب» الذي بناه «الموحّدون» في القرن الثالث عشر، لتطلّ من هناك على «المايسترانزا» أجمل حلبات مصارعة الثيران في العالم، حيث يرتقي المصارعون إلى مصاف الكبار أمام جمهورها العليم بهذا «العيد» الوطني الذي يشكّل أحد العناصر المكوّنة للهويّة الإسبانية في العالم.

متنزه ماريّا لويزا

من هناك ننتقل إلى متنزه «ماريّا لويزا» الذي يشكّل واحة في قلب المدينة، بأشجاره الباسقة التي يعود بعضها إلى القرن السابع عشر، ونوافيرها الجميلة التي ترطّب الجو في صيف المدينة الحار.

– «ساحة إسبانيا»

في الجهة المقابلة لهذه الحديقة، تقوم «ساحة إسبانيا» الشهيرة، أكبر المعالم على الطراز الأندلسي على الإطلاق ومن أجمله. ويجمع الذين يشاهدون هذه الساحة للمرة الأولى أنهم يشعرون بتأثر عميق أمام ضخامتها وتناسقها وجمال معمارها. وقد بنيت في عام 1929 بمناسبة المعرض الإيبروأميركي، يستعرض فيها الزائر تاريخ إسبانيا بأكمله. كما صوّرت فيها أفلام عالمية شهيرة، مثل «لورانس العرب» و«الأسد والريح» و«الديكتاتور» و«حرب النجوم».

Continue Reading
Click to comment

اترك رد

مما قرأت و اعجبنى

“كتاب إلى أبنائي وبناتي: دليل الإضاءة لشباب اليوم من قلم الدكتور عبدالكريم بكار”

Published

on

"كتاب إلى أبنائي وبناتي: دليل الإضاءة لشباب اليوم من قلم الدكتور عبدالكريم بكار"

كتاب “إلى أبنائي وبناتي – 50 شمعة لإضاءة دروبكم” هو من تأليف الدكتور عبدالكريم بكار، أحد أبرز المؤلفين والمحاضرين في ميدان الفكر الإسلامي والتربية السليمة. يسعى بكار في هذا الكتاب إلى تقديم طروحات جديدة وفعّالة، مستنداً إلى المرجعية الإسلامية، وله إسهامات متعددة في مجالات النهضة والفكر والعمل الدعوي. سنقدم في هذا المقال نظرة موجزة عن محتوى الكتاب وأفكاره الرئيسية.

هذا الكتاب يُعد واحدًا من أبرز أعمال الدكتور عبدالكريم بكار وأكثرها انتشارًا وشهرةً. حظي برواج كبير في الأوساط الثقافية وبين القراء المهتمين بالإسلام، وقد سجّل مبيعات ملحوظة منذ إصداره وحتى الآن.

أسلوب الكتابة للدكتور عبدالكريم بكار يتميز بالبساطة والسلاسة، مما يجعله مفهومًا لجميع القراء بغض النظر عن مستوى ثقافتهم أو وعيهم. يتميز أيضًا بالطرح المنطقي الذي يلبي توقعات القارئ ويرضي عقله.

بفضل تخصصه في الكتابات التربوية والفكرية، استطاع الدكتور عبدالكريم بكار أن يُجيب على العديد من الأسئلة التي كانت محل اهتمام واستفسار الكثيرين، وذلك بطريقة منطقية ومتوافقة مع الشريعة الإسلامية. ترك بصمته الواضحة في عالم الكتب، واستفاد الكثيرون من أفكاره ومؤلفاته.

كتاب “إلى أبنائي وبناتي – 50 شمعة لإضاءة دروبكم” يُعد واحدًا من الكتب الموجهة للشباب والشابات اليافعات، حيث يقدم الدكتور بكار خمسين نصيحة تغذي عقول القراء وتعالج بعض المخاوف التي قد تسيطر عليهم في الحاضر والمستقبل. تتنوع هذه النصائح بين النواحي الشخصية والمهنية والحياتية، مما يُسهم في توجيه الشباب نحو طريق النجاح والتفوق في حياتهم.

نبذة عن الدكتور عبدالكريم بكار:

الدكتور عبدالكريم محمد حسن بكار يُعد واحدًا من أبرز المؤلفين الإسلاميين في العصر الحديث. لقد أنتج بكار أكثر من أربعين كتابًا، حظيت معظمها بشعبية واسعة في المجتمع العربي والإسلامي، وقد تُرجمت العديد منها إلى لغات مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يتوفر له مكتبة صوتية تضم محاضراته وندواته، مما يُعزز نفوذه وتأثيره في مختلف الأوساط الفكرية والثقافية.

بكار يسعى جاهدًا لتقديم وجهات نظره التربوية والفكرية من خلال مشاركاته في الصحف والمجلات العربية المتخصصة. فقد كتب مجموعة من المقالات التي نُشرت بانتظام في مجلة البيان اللندنية، ومجلة الإسلام اليوم بصفتها اليومية والشهرية، بالإضافة إلى مجلة “مهاراتي” وموقع الإسلام اليوم.

يتمتع بكار بنشاط ملحوظ في مجال المحاضرات والندوات الثقافية والفكرية، بالإضافة إلى تقديم دورات تدريبية. قدّم العديد من المحاضرات في السعودية، وقطر، والبحرين، وتركيا، ولبنان، ومصر، والأردن، والسودان، فضلاً عن زياراته لخارج الوطن العربي إلى دول مثل ماليزيا، وأوغندا، وأندونيسيا.

تقديم الدكتور عبدالكريم بكار برامج متنوعة على عدة منصات، حيث قدّم برنامجًا أسبوعيًا بعنوان “آفاق حضارية” على قناة دليل الإسلامية، وبرنامج آخر بعنوان “دروب النهضة” على قناة المجد، بالإضافة إلى برنامج أسبوعي على الإذاعة يحمل عنوان “بناء العقل في القرآن الكريم”، وبرنامج آخر بعنوان “العلاقات الإنسانية في المجتمع الإسلامي” على إذاعة القرآن الكريم في الرياض.

لقد حقق بكار إنجازات بارزة في المجال الأكاديمي، حيث عمل كمحاضر في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم وجامعة الملك خالد في أبها. استمرت مسيرته الأكاديمية في الجامعة الأخيرة لمدة 26 عامًا قبل أن يتخلى عن العمل الأكاديمي ليكرس وقته للتأليف والعمل الدعوي.

بكار حاز على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وأكمل درجتي الماجستير والدكتوراه في قسم أصول اللغة في نفس الكلية والجامعة. عنوان رسالة الدكتوراه الخاصة به كان “الأصوات واللهجات في قراءة الكسائي”.

لغة الكتاب: اللغة العربية.

دار النشر: دار السلام للطباعة والنشر.

عدد صفحات الكتاب: 200 صفحة

Continue Reading

ديني

“معجزات وحكمة: قصة سليمان عليه السلام وما وراءها”

Published

on

"معجزات وحكمة: قصة سليمان عليه السلام وما وراءها"

سليمان – عليه السلام – كان من بين الذين منحهم الله الملك والحكمة في سن مبكر. فبعد وفاة داوود – عليه السلام – وعندما كان سليمان يبلغ اثنتا عشرة سنة، أسند الله إليه ما لم يُعطَ أحدٌ غيره من البشر. وبعد أربع سنوات من هذه النعمة، بدأ سليمان في بناء بيت المقدس.

استجاب سليمان – عليه السلام – لوصايا والده، واستمرّ في البناء سبع سنين، حيث انتهى من البناء بعد توليه الحكم بأحد عشر عاماً، ثم بعد ذلك باشر أعماله في بناء دار مملكة بالقدس، واستمرّ في البناء ثلاثة عشر عاماً.

الله – عز وجل – أنعم على سليمان – عليه السلام – بالحكمة، والفطنة، والذكاء، والقدرة على البديهة، ودعمه بالحكم الصحيح والعدل في قضايا الناس. عندما نشبت مشكلة بين الراعي وصاحب الحقل بسبب غنم الراعي التي دخلت الحقل، أصدر سليمان – عليه السلام – حكمًا مشابهًا لحكم والده داوود، فكان حكمه دائمًا يتسم بالعدل والحكمة، قال تعالى-: {وَداوودَ وَسُلَيمانَ إِذ يَحكُمانِ فِي الحَرثِ إِذ نَفَشَت فيهِ غَنَمُ القَومِ وَكُنّا لِحُكمِهِم شاهِدينَ*فَفَهَّمناها سُلَيمانَ وَكُلًّا آتَينا حُكمًا وَعِلمًا وَسَخَّرنا مَعَ داوودَ الجِبالَ يُسَبِّحنَ وَالطَّيرَ وَكُنّا فاعِلينَ}. [الأنبياء: 79:78].

تحكي القصة عن رجلين جاؤوا إلى داوود – عليه السلام – أحدهما كان صاحب حقل والآخر صاحب غنم. زعم صاحب الحقل أن اغنام صاحب الغنم دخلت أرضه وأفسدتها. فقضى داوود – عليه السلام – بأن يأخذ صاحب الحقل الغنم. لكن عندما علم سليمان – عليه السلام – بالقضية، وهو آنذاك في سن الحادية عشر، قال: “لو كنت أنا الذي أقضي لفعلت شيئًا مختلفًا”. فقضى سليمان بأن يأخذ صاحب الحقل الغنم لاستفادته منها ويصلح أرضه بالغنم، ثم يعيدها إلى صاحبها. وقضى داوود بحكم سليمان؛ لأنه لم يظلم أحدًا من الطرفين في النزاع.

تولية سليمان الملك:

بعد وفاة داوود – عليه السلام – تولى سليمان – عليه السلام – حكم بني إسرائيل. وقتها كان عمره ثلاثة عشر عامًا. وأعطاه الله الملك والنبوة معًا، وكانت دعاءه إلى لله أن يمنحه ملكًا لا يحصل لأحد غيره بعده. أجاب الله دعائه وأخضع له البشر والجن والطيور والشياطين والرياح. كانت الطيور تتجه نحوه عندما يغادر بيته للذهاب إلى مجلسه، وكان البشر والجن ينتظرون لتقديم الخدمة له.

سليمان – عليه السلام – ورث علم وملكًا من داوود – عليه السلام -. كما ذكر الله في القرآن: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}. [النمل: 16]. هذا الورثة كان خاصًا لسليمان دون إخوته الآخرين، كان يقول قتادة والكلبي إن داوود أنجب تسعة عشر ولدًا. وتحديد سليمان بالورثة دليل على أن الوراثة ليست فقط من المال، بل كان الله قد أنعم عليه بمزيد عن ميراث والده.

سيدنا سليمان مع الهدهد وبلقيس:

سليمان – عليه السلام – نعّمه الله بفهم لغة الطيور، وكان يستخدمها في البحث عن الماء وجمع أخبار الأمم والشعوب. كان الهدهد من الطيور التي كان يعتمد عليها، لكن في يوما ما فُقد الهدهد ولم يعود، دون أن يطلب إذنًا للانصراف، مما جعل سليمان – عليه السلام – يتوعده بالعقاب أو القتل إذا لم يكن لديه عذر لغيابه.

بعد غياب الهدهد لمدة، عاد إلى سليمان الذي سأله عن سبب غيابه. أخبره الهدهد بأنه رأى أهل سبأ وملكتهم بلقيس يسجدون للشمس ويعبدونها، معتقدين أن هذا الفعل صحيح. عندما سمع سليمان ذلك، أراد التأكد من صحة الخبر، وأراد التراجع عن قرار عقاب الهدهد. فكتب كتابًا يأمر بعبادة الله وحده، وأعطاه للهدهد مع تكليفه بإلقائه عليهم ومراقبة رد فعلهم.

بعدما ألقى الهدهد الكتاب في نافذة قصر بلقيس التي كانت مفتوحة لتدخل منها الشمس لتعبدها، لاحظت الملكة الأمر وجمعت أهل البلاد لتستشيرهم فيما يجب فعله. قالوا أهل البلاد بأنهم قوم ذوي قوة وبأس شديد، ووكلوا الأمر إليها. اقترحت الملكة إرسال هدية لسليمان لتلطيف الأمور وتجنب الحرب. لكن عندما وصلت الهدية إلى سليمان، هددها بإرسال جيوشه إليها. فقررت الملكة أن تستجيب لأمر سليمان وتذعن له، وقررت الذهاب إليه.

عندما علم سليمان – عليه السلام – بقرب وصول الملكة، جمع حاشيته وطلب منهم أن يحضروا عرشها إليه. أخبره عفريت من الجن بأنه قادر على جلب العرش قبل أن تقوم من مقامها، واقترح عالم من علماء قومه أن يأتي به قبل أن يرتد طرفه. فشكر سليمان ربه وأحضر العرش، وأمر الحاشية بتغيير شكله قليلاً. عندما وصلت الملكة ورأت العرش، اندهشت وقالت “كَأَنَّهُ هُوَ”، واستغربت من روعة قصر سليمان الذي اعتقدت أن الأرض نهراً. عندما حاولت دخول القصر، كشفت عن ساقيها. وبعد رؤيتها لهذه المعجزات، أعلنت خضوعها لله وحده، قال الله تعالى في القرآن-: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. [النمل: 44].

سيدنا سليمان مع النملة:

قال تعالى-: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}. [النمل: 18]. رأت النملة سليمان وجنوده وخافت على بقية النمل من أن تدهسها الجنود. فصاحت بأعلى صوتها، ناصحة النمل بأن يستدعي جنودهم إلى داخل البيوت لتفادي الخطر. سمع سليمان كلام النملة، وابتسم بفرح لحكمتها وذكاءها، حيث أشارت النملة إلى أنه لا يمكن لسليمان وجنوده أن يشعروا بوجودهم ويتجنبوا دهسهم. شكر سليمان الله على النعم التي وهبها له ولوالديه. قال تعالى-: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}. [سورة النمل: 19].

وفاة سيدنا سليمان:

في قضاء الله – تعالى – بموت سليمان – عليه السلام – كان واقفاً متكئاً على عصاه. وذكر الله في القرآن: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ}. [سبأ: 14]. يعني ذلك أنه مات وهو يتكئ على العصا، ثم أكلت دودة الأرض عصاه فسقط على الأرض، فعلم الناس بموته.

موت سليمان – عليه السلام – بهذه الطريقة كان بعد مرور سنة من وقوفه، وذلك الموت كان إظهارًا لكذب الجن الذين كانوا يدعون علمهم بالغيب. فلم يعلم الجن بموت سليمان إلا بعد سقوطه على الأرض. وفي هذه الفترة، كان الجن مشغولين ببناء بيت المقدس.

معجزات سيدنا سليمان:

معجزات سليمان – عليه السلام – كانت تتميز بدوامها ومرافقتها له طوال حياته. شكر الله – تعالى – على هذه المعجزات التي أنعم عليه بها، ومن بين هذه المعجزات:

تسخير الرّيح: {وَلِسُلَيمانَ الرّيحَ عاصِفَةً تَجري بِأَمرِهِ إِلَى الأَرضِ الَّتي بارَكنا فيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيءٍ عالِمينَ}. [سورة الأنبياء: 81]. سيطر سليمان – عليه السلام – على الرياح، حيث كانت تسير بأمره وتتجه حيثما يأمرها. وكذلك، كان يمكنه تحريك السحاب وجعله يمطر بحسب أمره. وظلت الرياح تحت سيطرته طوال حياته.

تسخير الجنّ: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ}. [سبأ: 12]. كانت الجن تعمل تحت إرشاد وتوجيه سليمان – عليه السلام – وتأخذ الأوامر منه. كان يأمرهم بالقيام بأعمال تعود بالفائدة على مملكتهم، ويديرون شؤونهم. قاموا ببناء المعابد ودور العبادة، وأظهروا إنجازات عظيمة في مجال العمارة، مثل بناء المحاريب وصنع الأواني والصوامع الثابتة. كما أمرهم بالغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان، واستفادوا من القدرات الخارقة التي منحها الله لهم، والتي تتمثل في السرعة والقدرة على العمل بسرعة. وبفضل أعمالهم، نجحت دولتهم وازدهرت.

إسالة النّحاس: صناعة السلاح وغيرها من الصناعات، ذُكِر في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ}. [الأنبياء: 81]. مما يُشير إلى الاستفادة من المعادن مثل الحديد، حيث كان يتم صهره وتشكيله بيد الجنّ، ثم يترك ليتم تجميده بشكل يناسب الاستخدام المرغوب.

فهم كلام ما لا ينطق من الحيوانات، والحشرات، والجمادات، والنّباتات.

Continue Reading

تاريخ

“زاهي حواس ومارك لينر يردان على دراسة جديدة حول فرع نهر النيل الجاف بجوار الأهرامات”

Published

on

"زاهي حواس ومارك لينر يردان على دراسة جديدة حول فرع نهر النيل الجاف بجوار الأهرامات"

أصدر الدكتور زاهي حواس، العالم المصري المعروف في مجال علم المصريات والذي كان وزيراً للآثار سابقًا، بالتعاون مع الدكتور مارك لينر، عالم الآثار، بيانًا صحفيًا حول دراسة حديثة نُشرت في مجلة “Communications Earth & Environment”. وتمكَّنت هذه الدراسة، باستخدام التصوير عبر الأقمار الصناعية وتحليل نوى الرواسب، من رسم خريطة لفرع جاف من نهر النيل يبلغ طوله 64 كيلومترًا، والذي كان مدفونًا قبل فترة طويلة تحت الأراضي الزراعية والصحراء، بجوار الأهرامات.

في بيانهما، أشار العالمان إلى أنه بالرد على العديد من الاستفسارات حول دراسة الدكتورة إيمان غنيم وزملائها التي نُشرت في عام 2024، يودون التأكيد على أن معظم ما ورد في هذا البحث يُعيد تأكيد الفهم والاستنتاجات التي تم الإعلان عنها سابقًا.

أرسل الدكتور زاهي حواس، بالتعاون مع عالم المصريات الأمريكي المشهور، الدكتور مارك لينر صاحب كتاب “الأهرامات الكاملة”، بيانًا مشتركًا إلى وسائل الإعلام المصرية. وقد تضمن البيان ست ملاحظات حول الدراسة المعنية، وهي:

اولا، في دراستهم، لمح الباحثون إلى عدم وجود تفسير مقنع حتى الآن لسبب تركيز الأهرامات في المنطقة المحددة التي تمت دراستها. وقد تم رده على هذا الادعاء بتأكيد أن أي شخص يدرس المصريات، سواء كان مبتدئًا أو متقدمًا، يعلم أن الأهرامات في الدولة القديمة والوسطى تعود إلى مقابر غرب منف، العاصمة التقليدية لمصر، وأن الاتجاه نحو الغرب كان يرتبط بالموتى.

ثانيا، لقد اقترح علماء المصريات لأكثر من قرن فكرة وجود فرع غربي من نهر النيل أو قناة تمتد على طول مسار قناة بحر الليبيني، وهذا الافتراض تم تطويره منذ ثلاثة وخمسين عامًا عن طريق عالم المصريات الفرنسي جورج جوين. تقوم فكرته على أن هذا الفرع أو القناة كانت وسيلة للوصول إلى الأهرامات ومعابد الوادي.

ثالثا، منذ أكثر من مئة عام، كان علماء المصريات يدرسون فكرة وجود موانٍ عند نهاية طرق الأهرامات، أمام المعابد في الوادي، في خلجان طبيعية مثل خليج أبو صير، وفي أفواه الأودية كحوض خنتكاوس في الوادي المركزي بالجيزة، أو حتى أبعد غربًا كحوض الوادي الجنوبي في دهشور. لسنوات طويلة، ناقش العلماء فكرة قدرة هذه الأحواض على استقبال مياه النيل، خاصةً في فترة الفيضان.

رابعا، لقد أمضينا سنوات في الجيزة لدراسة فرع النيل الغربي الممتد على طول مسار بحر الليبي، وكيف كان يُغذي مواني أهرامات الجيزة. وقد نشرنا حدودًا ومعالم لمواني خوفو وخفرع ومنكاورع، إلا أنه لم يتم حتى الآن تقديم تفسير مقنع لسبب تركيز هذه الأهرامات في هذه المنطقة المحددة. ومنشوراتنا في هذا البحث لم تُذكر نهائيًا.

خامسا، لم يُناقش المؤلفون اكتشاف بردية وادي الجرف في عام 2013، الذي يشمل يوميات رجل يُدعى “مرر” الذي قاد فريقًا لنقل الحجر الجيري بالقارب من المحاجر الشرقية في طرة إلى الجيزة لبناء هرم خوفو. وقد أشار مكتشف البردية، بيير تاليت، إلى بحر الليبيني كعلامة على فرع غربي لنهر النيل، والمسارات الجنوبية التي سلكها مرر وفريقه إلى الجيزة. وللأسف، تجاهل الباحثون تمامًا هذه المعلومات الجديدة والمهمة.

سادسا، في عام 1995، تعاونّا مع مجلة “ناشيونال جيوغرافيك” لإعادة بناء الفرع الغربي لنهر النيل على مسار بحر الليبيني من خلال رقمنة خرائط بمقياس 1:5.000 أنتجتها وزارة الإسكان. قمنا بإنتاج عرض ملون معاد بناؤه لهذا الفرع الغربي، والذي يشبه بشكل كبير الشكل 7 في الدراسة الجديدة. كما أنشأنا نموذجًا مصغرًا للحوض العميق الذي يميز بقايا قناة النيل الغربية على طول الليبيني، ونُشر هذا العمل في “ناشيونال جيوغرافيك” قبل 29 عامًا. والغريب أن هذا الاكتشاف الرئيسي هو نفسه الذي توصلت إليه الدراسة الجديدة المنشورة في مايو 2024.

خلص حواس ولينر إلى القول: “يبدو أن المؤلفين إما غير مدركين تمامًا للنقاشات والأبحاث المنشورة سابقًا حول موضوعهم، أو أنهم يتجاهلون عمدًا مدى مناقشة اقتراحهم في الأعمال الأكاديمية ليقدموا نتائجهم كاكتشاف جديد. نحن لا نجد أي جديد فيما ذكره بحث غنيم والمؤلفين الآخرين.”

Continue Reading

تابعنا

Advertisement

تابعونا

mia casa

متميزة